محمد كرد علي

238

خطط الشام

ويصدق على قلعة بعلبك في الوصف ما قاله عبد اللطيف البغدادي في أهرام مصر : إنها صبرت على ممر الأزمان بل على ممرها صبر الزمان . فإنك إذا تبحرتها وجدت الأذهان الشريفة قد استهلكت فيها ، والعقول الصافية قد أفرغت عليها مجهودها ، والأنفس النيرة قد أفاضت عليها أشرف ما عندها لها ، والملكات الهندسية قد أخرجتها إلى الفعل مثلا هي غاية إحكامها حتى إنها تكاد تحدث عن قومها وتخبر بجمالهم وتنطق عن علومهم وأذهانهم وتترجم عن سيرهم وأخبارهم . أو ما قاله في يرابي مصر : فالحكاية عن عظمها وإتقان صنعتها وإحكام صورها وعجائب ما فيها من الأشكال والنقوش والتصاوير والخطوط مع إحكام البناء وجفاء الآلات والأحجار مما يفوت الحصر . ومن أجمل ما وصفت به خرائب بعلبك قول صديقنا خليل مطران من قصيدة : خرب حارت البرية فيها * فتنة السامعين والنظار معجزات من البناء كبار * لأناس ملء الزمان كبار ألبستها الشموس تفويف در * وعقيق على رداء نضار وتحلت من الليالي بشاما * ت كتنقيط عنبر في بهار وسقاها الندى رشاش دموع * شربتها ظوامئ الأنوار زادها الشيب حرمة وجلالا * توجتها به يد الأعصار رب شيب أتم حسنا وأولى * واهن العزم صولة الجبار معبد للأسرار قام ولكن * صنعه كان أعظم الأسرار مثل القوم كل شيء عجيب * فيه تمثيل حكمة واقتدار صنعوا من جماده ثمرا يج * نى ولكن بالعقل والأبصار وضروبا من كل زهر أنيق * لم تفتها نضارة الأزهار وشموسا مضيئة وشعاعا * باهرات لكنها من حجار وطيورا ذواهبا آيبات * خالدات الغدو والإبكار في جنان معلقات زواه * بصنوف النجوم والأنوار وأسودا يخشى التحفز منها * ويروع السكوت كالتزآر عابسات الوجوه غير غضاب * باديات الأنياب غير ضواري